المناوي

304

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

وقال : الشّيطان لا يغرّ الإنسان إلّا بكلام مقبول الظاهر مردود الباطن ، ولولا حسن الظاهر ما انخدعت منه القلوب . وقال : إنّ للّه سبعين حجابا من نور ، ولا يصل السّالك إلى حجاب منها في الطّريق إلّا ظنّ أنّه وصل ، وأوّل حجاب بين اللّه وبين العبد نفسه ، فإنّه أمر ربّاني ، وهو نور من أنوار اللّه ، أعني سرّ القلب الذي يتجلّى فيه حقيقة الحقّ كلّه حتى أنّه ليتّسع لجملة العالم ، ويحيط به ، ويتجلّى فيه صورة الكلّ ، وعند ذلك يشرق نوره إشراقا عظيما إذ يظهر فيه الوجود كلّه على ما هو عليه ، فإذا تجلّى نوره وانكشف جمال القلب ربّما التفت صاحب القلب إلى القلب فيرى من جماله الفائق ما يدهشه ، فربّما يسبق لسانه في هذه الدهشة ، فيقول : أنا الحقّ ، فإن لم يتّضح له ما وراء ذلك اغترّ به ، ووقف عليه وهلك ، وكان قد اغترّ بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهية ، ولم يصل بعد إلى القمر فضلا عن الشّمس ، فهو مغرور ، وهذا هو محلّ الالتباس ، إذ المتجلّي يلتبس بالمتجلّى فيه كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة فتظنّ أنّه لون المرآة ، وكما يلتبس ما في الزّجاج بالزّجاج ، وبهذه العين نظرت النّصارى إلى المسيح عليه السلام فرأوا إشراق نور اللّه تعالى قد تلألأ فيه ، فغلطوا فيه ، كمن يرى كوكبا في مرآة أو في ماء فيظنّ أنّ الكوكب في المرآة ، أو الماء فيمدّ إليه يده ليأخذه ، وهو مغرور وكان الأولى ترك ذكر هذا ، إذ سالك الطّريق لا يحتاج أن يسمعه من غيره ، ومن لم يسلكه لا ينتفع بسماعه بل يضرّه ، لأنّه يدهش بسماعه ما لم يفهم . وقال : أساس السّعادات كلّها العقل والكياسة والذكاء . وصحّة غريزة العقل نعمة من اللّه في أصل الفطرة ، فإن فاتت ببلادة أو حماقة فتدارك له . وقال : من لم يكن له نصيب من علم الباطن أخاف عليه سوء الخاتمة ، وأدنى النّصيب منه التّصديق وتسليمه لأهله ، ومن كان فيه خصلتان لم يفتح له من هذا العلم بشيء : بدعة أو كبر . وقال : علم المكاشفة عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته تنكشف به أمور كان يسمع أسماءها ويتوهّم بها معان مجملة غير متّضحة فيتّضح .